وكالة صحفي مَيل مَيل

في مجلس الشيخ حمدن  / عزالدين بن ڭراي  بن أحمد يورَ

في سنوات ماضية وفي خضم تسارع وتيرة الأحداث الوطنية والدولية وما صاحبها من انتشار واسع لوسائل إعلام واتصال ملأت الدنيا و شغلت الناس، ومع تزايد الانشغال بأمور الحياة اليومية في العاصمة، كان كثيرا ما يراودني هاجس الخوف من الجهل بأدنى ما يُفترض معرفته من مُرتاد المجالس و المحافل.

فكنت كلما راودني ذلك الهاجس اصطحبت أحد النصوص التعليمية المحظرية وجعلتُ وجهتي منزل أستاذنا العلامة حمدن ولْ التاهْ أطال الله بقاءه ملتمسا بحضرته ملاذا عن تيار الأحداث والمشاغل الجارف.

وقبل أيام – وأنا بباريس – أصبت هدأة من الدراسة والتدريب جال فيها بذهني دون سبب بعض من المواقف التي بقيت في الذاكرة من تلك المجالس العطرة، فأتتني فكرة كتابتها وجعلها بين يدي الجمهور.

أتذكر أنه قال لي يوما وأنا أشرع في دراسة مختصر الشيخ خليل: ’’أنصحك أن تمر على نص المختصر سريعا دون اعتناء أول الأمر بتحقيقه وتحريره تفاديا للملل والتوقف في وسط الطريق، فإذا فعلتَ ذلك حصلت عندك ألفة مع جميع فصوله وأبوابه وتكونت لديك جُرأة على بحث أي موضع منه احتجت له وتحصلت عندك مفاتيح البحث فيه’’. وقد أدركت فيما بعد رجحان ونجاعة ما أرشدني إليه.

وحدثني هنا بما قاله العلامة: محمذن بن محنض بابَ بن اعبيدْ حين نصح من حوله: ’’إياكم وحشو أذهان التلاميذ عند شرح النصوص، فإن كان التلميذ ذا وله بالعلم أكمل مادة البحث بنفسه، وإن كان غير ذلك وفرتُم عليه وعلى أنفسكم عناء التدريس’’.

وقال لى: ’’إنني أرى في هذا الزمن الذي كثرت فيه المشاغل وضعفت فيه الهمم أن يقوم الشاب بعد دراسة المختصر بالتخصص في باب يتقنه تاركا التخصص في باقي أبوابه لغيره على المنهج العصري’’.

وقلتُ له ذات يوم: إني لاحظت أن الشيخ خليل كثيرًا ما يأتي بمسائل في غير مظانها، كتعرضه لمسائل من الضمان في باب الذكاة، وتعرضه لبعض أحكام السماع في بابي النكاح والشهادات، وكبسطه لأحكام الجار عند الكلام على الشركة … فقال لي: “هذا ما حدا ببعضهم إلى التأليف فيما يعرف بفقه الشوارد، ولكن لا بدَّ من القيام بعمل شامل في هذا المجال يكون دليلا للباحث عن الفروع في نص المختصر وشراحه”.

وفي شأن المُختصر نبهني أن هناك جوانب فقهية مُهمة أغفلها الشيخ خليل، في حين بسطها الشيخ محمد بن أبى زيد القيرواني في آخر رسالته باكورة المذهب عند كلامه على ما يُعرف بالآداب.

وعندما رجعت إلى الآداب في الرسالة بشرح أبي الحسن المنوفي وحاشية العدوي عليه وجدتها بحرًا زاخرا من الأحكام المعيشة المتنوعة التي لا غني للمسلم في حياته اليومية عن معرفتها كحكم صبغ الشعر وأحكام قتل الحشرات وما يقال في تقبيل اليد والعناق والنمص والوشم واللباس والتعالج والرُّقى… إلى غيرها مما لا يتسع المقام لاستيعابه.

وكنتُ مرةً أدرس عليه من دالية العلامة محمدفال بن محمذن ’’ببَّها” التي ضمنها الألغاز الفقهية لابن فرحون المدني والتي صدرها بمرثية لابن عمته العلامة محمذن بن عمر بن الأديبْ الفاضلي:

ألا حَيِّ دورًا بالأبُـيْـتر مِن دعدِ

عفتها روايا الدلوِ بعدكَ والسَّعدِ

وبالوهدِ وهدِ البيرِ دورًا مُحيلةً

لدى حيثُ قلَّ الطلحُ مِنْ ذلكَ الوهدِ

فأصبحْنَ لا يُعرفْنَ إلا توهُمًا

وصرفُ الليالي عهدهُ أكذبُ العَهدِ

تحلَّتْ بِميٍّ بُرهةً ثمَّ عُطِّلتْ

فما ثم َّ مِنْ مَيٍّ وما ثمَّ من دعدِ

كما قدْ تحلَّتْ بالأديبِ مُحمذن

سليل الأديبِ ذي المآثر والمجدِ

فلما وصلنا في القصيدة إلى قول لمرابط: ’’ببَّها’’:

ومنْ يكُ ما استثناهُ ساوى الذي مضَى

فصحَّتْ لهُ ثُنياهُ عند ذوي القصدِ

بين لي الشيخُ أن الملغز به في البيت هو الاستثناء المُستغرقُ في الوصية، فإنهُ يؤثر فيها ويبطلها خلافا للقاعدة من أن الاستثناء المستغرق لا يفيد شيئا، فمن قال لزوجته “طلقتك ثلاثا إلا ثلاثا” حكم عليه بالثلاث ولمْ يفدهُ استثناؤه المُستغرقُ، وكذلك لا أثر له في الهبة كمن قال أعطيتك ألفا إلا ألفا حُكم عليه بالألف، هذا بعكس الوصية فمن استغرق فيها الاستثناء بطلت كقول الموصي: أوصيتُ لفلان بألف إلا ألفا.

عندها سألته ما سبب تأثيره في الوصية دون الطلاق والهبة؟ فأطرق قليلا ثم قال لي: ألا ترى أن الوصية يجوز للمُوصي الرجوع عنها بعكس الطلاق والهبة، فربما جعلوا الاستثناء المُستغرقَ في باب الوصية من باب الرجوع عنها، فاستحسنتُ التعليل و استسغـتُـه بحيث إني لم أرجع للكتب للوقوف على تأويل منصوص للفرق، مع أن الشيخ أجابني على وجه التنظير من غير قطع.

وكنتُ يومًا أقرأ عليه من نظم: مراقي السعود في الأصول للعلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي وتحديدا في مبحث مفهوم الموافقة، وبعدما قال لي إن مفهوم الموافقة نوعان: فحوى خطاب ولحن خطاب، وإن فحوى الخطاب هو أن يكون الحُكم المسكوت عنه من باب أحري فقوله تعالى: “ولا تقُلْ لهما أُفٍّ ولا تنهرهما’’ يُفهم منه بالأحروية النهيُ عن ضرب الوالدين وإن لم يرد النهي عن الضرب صريحا في النص، وبعد أن بين لي أن لحن الخطابَ هو أن يكون الحكم المسكوت عنهُ مساويا للحكم المنطوق، سألته وما مثال الحكم المسكوت عنه المُساوي لقول: ’’أُفٍّ” للوالدين، فأجابني سريعا بالحسانية: مثالهُ: “التِشڭامْ”.

وعند تناولنا لمبحث مسالك العلة في باب القياس من الأصول أتذكر أنه مثل لي مسلك السبر تمثيلا جعل معناه عندي حاضرًا من غير حاجة لمراجعته. لقد قال لي الشيخ: إن السبر هو ما يُعرف عنذنا محليًا ب التِشڭاطْ وهو تهذيبُ الشجرة بقطع ما طال وأخذ ينمو في غير نظام من أغصانها.

فالسبر في القياس أن يقوم الأصولي بحصر أوصاف الأصل المَقيس عليه ثم يقوم بعد ذلك بإبطال ما منها لا يصح أي يكون علة بطريق من طرق الإبطال، فما بقي من الأوصاف بعد عملية الإقصاء هذه ثبت علة للحكم، كتعليلهم حرمة الربا في القمح بالاقتيات والادخار بعد أن قاموا بإقصاء كل ما لم ينهضْ علة للتحريم من أوصافه الأخرى كالمالية والطعمية وغلبة العيش… الخ

وسألته يومًا: هل من تخفيف في تحريم المالكية بيع طعام المُعاوضة قبل قبضه؟ فأمرني أن آخذ جزءًا من كتاب أظنه المُغني لابن قدامة وأن أفتحه عند صفحة حدد لي رقمها، فإذا بالكتاب قد استعرض بتفصيل خلاف العلماء في تكييف القبض: فأبو حنيفة يرى أن القبض يحصلُ بالتخليةِ أو ما يُعرف بالإقباض أي أن يُخلَّى بين المثشتري و الطعام المَبيع بحيث يمكنه التصرف فيه بلا مانع ولو من غير قبض حسي، أما الإمام أحمد بن حنبل فقد سلك مسلكا وسطا بين مالك وأبي حنيفة فهو – وإن كان لا يشترط القبض الحسي – إلا أنه يشترط تمييز الطعام المبيع بحيث يمكن قول: هذا ما اشتراه فلان.

ولا يخفي ما في هذا من التوسيع في بيع وثائق الطعام أو ما يعرف ب”البَوهات’’ وعرضت عليه مرة نظم شوارد الفقه للعلامة امحمدْ ولْ أحمد يورَ المعروف ب”فرحة الصبي وتحفة الغبي” فلما وصلنا إلى قوله في باب الهبة متكلمًا على حكم ما وُهب للصبي:

و ما وهبتَ لصبيٍّ ذِي أبِ

فلِأبِ الصَّبِيِّ ليسَ للصَّبِي

قال لي: اعلم أن كلام امحمدْ هنا في الغالب، أما إذا كان ما وُهبَ للصبيِّ بسبب مكانة أمه فإن الأم تختص بالشيء الموهوب دون الأب.

وأتيته يومًا لأشرع في قراءة نظم قواعد الزقاق المعروف ب”المنهج’’ فأحسست منه تحمسًا لتدريس هذا الفن الراقي من العلوم الإسلامية، وقال لي: إن عدم اهتمام أوساطنا المحظرية بما فيه الكفاية بعلم القواعد خلق قطيعة بين طائفتين من آهل العلم تطرفت كل واحدة منهما في جهة، فطائفة اهتمت بالأصول الكلية حتى ادعت الاجتهاد، و طائفة تعلقت بالفروع فجمدت على النصوص، وفي رأيي أن علم القواعد هو الحلقة المفقودة لسد الفراغ بين الأصول الكلية والفروع.

ولعل هذا ما أشار له الشيخ في مستهل نظمه البديع في أحكام مستجدات العصر:

فبعضهمْ مال للانعزالِ

تورُعًا مِنْ هذه الأحوالِ

و بعضُهمْ مال للاجتهادِ

مع انقطاعهِ بكُلِّ وادِ

فضاعتِ الأحكامُ بينَ ذينِ

وظهرَ الجهلُ على وجْهينِ

وعندما تقدم بنا الدرس في منهج الزقاق ووصلنا للقاعدة الخلافية: هل تتعلق الذمة بالعين؟ بين لي أن من تطبيقات القاعدة: شخصٌ يُتعامل معهُ اتكالا على حانوت له أو حرث ثم شاءت الأقدار ضياع تجارته أو حرثه هل يتعلق ما يُطالب به من الدين بذمته فيتبعه به صاحب الدين، أم أن الدين يبطل لتعلقه بتلك العين الضائعة.

ثم قال لي لقد كان في الخلاف المندرج تحت هذه القاعدة مخرجٌ لبعض الموريتانيين العائدين من السنغال سنة 1989 والذين ضاعت تجارتهم وهُمْ يُطالبون بديون في تلك البلاد. و بعدها كنت أتساءل: هل يمكن أن يكون في هذه القاعدة الخلافية تنظير لما يعرف اليوم بالشركات ذات المسؤولية المحدودة؟

وعندما فرغنا من منهج الزقاق في القواعد وقبل الشروع في تكميل المنهج للشيخ ميارة الفاسي، أرشدني أن ألخص القواعد في شكل جدول من ثلاثة أعمدة: عمود أضع فيه نص القاعدة الخلافية وعمود ثان أضع فيه ما يندرج تحتها من الفروع الفقهية وعمود ثالث أضع فيه الراجح في المذهب من الخلافات المنطوية تحت القاعدة على أن استعين في ملء العمود الأخير بتأليف: “الدليل الماهر الناصحْ شرح المجاز الواضحْ على قواعد المذهب الراجحْ” للعلامة محمد يحي الولاتي، وهو كتاب فريد من نوعه لكونه كتاب قواعد وفقه.

وحدثني أنه زار محظرة الشيخ العلامة الورع: أحمدو بن محمذن فالْ الحسني في إطار بعثة من وزارة التوجيه الإسلامي فسأل تلامذتها – وقد تحلقوا شيخهم– ما هو الوزن الصرفي لكلمة ’’ملائكة’’ فانتصب في الحال للجواب منهم تلميذ لامع وقال مُصيبًا: وزنها: مَعافلة، لأنها من فعل ألِكَ على وزن فعِل، وقد تقدمت العين في بناء الكلمة على الفاء.

و ألكني إليه في اللغة معناه: كن لي رسولا، قال عمر ابن أبي ربيعة في رائيته المشهورة:

ألِكْني إليها بالسلامِ فإنهُ

يُشهِّرُ إلمامي بها و ينكِّرُ

وكم مرةَ لم يخف فيها مدي طربه للأنظام التعليمية للعلامة الشاعر امحمدْ ولْ أحمديورَ خاصة قوله في أنواع الدلالات عند أهل الأصول:

دلالةُ الإشارةِ الرفثُ جَا

في ليلةِ الصومِ بها مُمتزجَا

وذاتُ الاقتضاءِ منها رُفعَا

في خبرٍ إلى النبيِّ رُفِعَا

وكقوله في حكم قراءة الحديث بالمعنى:

قراءةُ الحديثِ بالمعنى اختلفْ

فيها رجالٌ من أكابر السَّلفْ

فذهبتْ للمنعِ منهمُ زُمرْ

مُوافقُو عبد الإله بنِ عُمرْ

والحقُّ أنَّ العارَ كلَّ العارِ في

تبديلِ لفظهِ لغيرِ العارفِ

وبينما كان يحدثني يومًا عن جودة أنظام امحمدْ واصفا إياها بالشعر، قلت له: لقد نظم امحمدْ بشكل وافر في كبريات العلوم المحظرية إلا في التوحيد فقاد كان مُقلا فيه، فأجابني: ’’ما كان امحمدْ يومًا شاكًا’’ بعدها استحضرت قول امحمدْ:

تقنعتُ من حوك القناعة حُلَّةً

تُذالُ عروضي دونها ورَقِيني

وإنْ شكَّ في المامولِ غيرِي فإنني

يقِيني من الشك المُريبِ يقيني

وتشعب بنا الحديث يوما في مسائل شتى فقلت له: سمعت بعض المثقفين المعاصرين يقول إن هناك نوعا من الأسلوب البلاغي يُستخدم كثيرًا في الفرنسية و في لغات أ خري وحتى في الحسانية ولا جود له في الأسلوب العربي الفصيح، وهو أن يبالغ المتكلم في الصفة بنفي ضدها، وهو ما يعرف بالفرنسية بla litote كقولنا بالحسانية :”ما خاسرْ إعليهْ شِ” أو “ماهُ مِسْتحفِ” فقال لي بالبديهة: لقد قال تعالى: “و ما صاحبكمْ بمجنون”.

وفي بعض الأحيان يُملي علي أبياتا نظمها في مسائل مختلفة هي في الحقيقة مقطعات شعرية لسلاستها وتدفقها وطرافتها كقوله ناظما الخلاف في مسألة غسل الجمعة السني هل يحصل به غسل الجنابة الواجب مصورًا ذلك في شكل ملحمة أبطالها أعيان من أهل المذهب:

كنانةٌ ونافعٌ والماجشونْ

أبناءهمْ مع ابن وهبٍ قائلونْ

ما قالهُ مُطرِّفٌ من اغتسلْ

لجُمعةٍ غسلُ الجنابةِ حصلْ

وخالفَ الجميعَ نجلُ القاسمِ

وردَّهُمْ في حالةِ التقاسمِ

وقالَ إذْ حفَّتْ به الأعنَّهْ

ما كُنتُ اقضي واجبًا بسُنَّهْ

وكقوله في نطق الجيم محسنا العزو للشيخ محمد المامي:

خديجةٌ وجعفرٌ و جابرُ

جيمهمُ تمَّ لها التواتُرُ

ينقلُها عن كلِّ جيلٍ جيلُ

مِنْ غيرِ أنْ يدخُلها التبديلُ

وجلُّ أهلِ النَّحوِ والأداءِ

ما كانَ مِنْ عربنا العرباءِ

فوصفُوا الجيمَ كما قدْ نطقُوا

ورُبَّ سهمٍ في السَّمَا يُفوِّقُ

مسألةٌ أجعلها أمامِي

يقودُها الشيخُ محمدْ المامي

وكان للشعر والأدب دائما نصيب غير قليل في ذلك المجلس، فمما أنشدني قطعة مديحية بديعة قالها في شكل تغطية صحفية لليلة الإسراء:

خذْني المُراسلَ ليلةَ الإسراءِ

كيْما أحدثَ ساكني البطحاء

هذا البُراقُ مقدَّمٌ لمُحمَّدٍ

صلَّى عليهِ مُكوِّنُ الأشياءِ

يأتي به الروحُ الأمينُ محمَّدًا

تبدو عليه علامةُ استحياءِ

إلى أن يقول:

ما ذا أقولُ السِرّ أصبح غامضًا

والذاتُ بين تخوفٍ ورجاءِ

يدعوك عنهُ نحوهُ في ليلةٍ

أكرمْ بتلكَ الليلةِ الغرَّاءِ

ومما أنشدني له قطعة رائعة في رثاء أحد أعيان الحي فضلا وكرما هو الجواد الفاضل: أحمدو بن المختارْ بن محمذن بن بابكرْ، يقول في أولها:

وداعا يا ابن زائدة الأيادي

ويا معْنَ العشيرة والبلاد

وداعا للفتوة يوم ولت

تشاركها السماحة في الحداد

على الفياض أحمدُ يوم ولَّى

وأضحى الجو يرفلُ في السوادِ

وداعا للسيادة والمعالي

وإنفاق الطريف مع التلاد

ومما أتذكره أني أتيته يوما في رمضان سنة 2007 فمكثت معه ساعة سلمنا فيها من مقاطعات الزوار فاستفاض لي في مسائل عقدية وصوفية لا يمل سماعها. قال لي في ذلك المجلس إن الفرق بين العارف بالله وغيره أن الأول يحضر عنده نفي التأثير عن الأسباب دائما ’’عندها لا بها’’ في حين يستسلم الثاني لتكرر العاديات فيحسب أن السكين لا بد قاطع وأن النار لا بدَّ مُحرقةٌ… قال المقري في الإضاءة عند الكلام على الصفات:

ونفيُ تأثير عن الأسبابِ

يُعرفُ منْ برهان هذا البابِ

كالماء للريِّ وكالسكِّينِ

والنّارِ في القطع وفي التسخينِ

وقدرةِ العبدِ و غير ذلكْ

فالكُلُّ خلقٌ للقدير المالكْ

وقال لي إن تحديد قدر معين في الأذكار قد يكون لسر في ذلك العدد، ولكن المقصود من كثرة العدد أيا كان هو أن يصادف الذاكر لحظة حضور بالفكر ولو مرة لينال إحدى أفضل مراتب الذكر التي أشار لها العلامة محمد مولود بن أحمد فال “آدَّ” علماً:

وعملٌ على رياءٍ أفضلُ

مِنْ تركهِ لخوفهِ وفضَّلوا

ذكر اللسانِ غافلَ الجَنانِ

على غُفولِ القلبِ واللسان…

وفي مجلس ضم رجلا من شرفاء قبيلة الإقلال قال لي: أتعرف إن قبائل موريتانيا يحتضنون من معهم من أهل البيت إلا الأقلال فقد احتضنهم شرفاءهم في إشارة لقصة سيدي بوبكر الشريف الشهيرة مع أبناء محمد قلي.

و مرة أتي بنا الحديث على علم الحساب فقال لي من بين طُرف فيه كثيرة إنه زار دولة الجزائر في وفد وكان من بين محطات الزيارة رؤية بناية شاقهة يفتخر بها الجزائريون آنذاك، فقال لهم: يمكنني معرفة طولها ببساطة، فقالوا: و كيف، فقال: آخذ خشبة بطول متر وأوقفها عموديًا على الأرض وأحسب النسبة بين طولها وطول ظلها، ثم اضرب تلك النسبة في طول ظل البناية فأحصل على طول البناية نفسها، لأن النسبة بين الأشياء و ظلالها في وقت محدد من النهار ثابتة لا تتغير.

و سمعته مرات يتكلم عن أثر الاتصال بالوسط الأميري ’’المحصر” في صقل القرائح و رفع الهمم وتنقية النفوس من الكثير من الأدران اللصيقة بالمجتمع البدوي.

وقد بالغ لي غيرما مرة في حدة ذكاء خاله القاضي: محمذن بن محمدفالْ “امييْ’’ ونباهته في التعاطي مع الأمور ودقة حسه في تناول النوازل، متحدثا لي عن مدى تأثيره في تكوين شخصيته بكل جوانبها، حتى أني سمعته يومًا وصفه بالأب الروحي.

وما هذه إلا لقطات من بين أخرى كثيرة ثنيت عنها العنان وأمسكت اللسان، فلكل منها جمهورها الخاص ومقامها المناسب.